أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

62

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

بعين التأليف تكن محققا أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصّلت : 53 ] ثم إن خطر لك أيضا في مراقبتك خاطر من مكروه في الشرع أو محبوب فيه مما قد سلف منك فانظر ما تذكر به وتنبّه ، فإن ذكرت اللّه به فأدبك توحيده على بساط تفريده ، فإن لم تكن هناك فأدبك رؤية فضله فيم حلاك به من لطيف رحمته ، وزينك به من طاعته ، بتخصيص محبته على بساط مودته ، فإن نزلت عن باب هذه الدرجة ولم تكن هناك فأدبك رؤية فضله إذ سترك فيما اقترفت من معصيته ولم يكشف سترك لأحد من خلقه ، فإن صرفت عن هذا وذكرت معصيتك ولم تذكر ما تقدم من الآداب الثلاثة فكن بأدب الدعاء في التوبة منها أو مثلها بطلب المغفرة لها بحسب ما يطلبه الجاني المحاط به ، هذا في جانب المكروه في الشرع . وأما إذا ورد عليك خاطر من طاعة فقدمت وذكرت من أفادكها فلا تقر عينك بها بل بمنشئها . فإذا قرّت عينك بغيره سقطت عن درجة التحقيق ، فإن لم تكن في هذه المنزلة فكن في التي تليها ، وهو أن تشهد عظيم فضل اللّه عليك إذ جعلت من أهلها وميراثها أن ترزق خيرا منها ، بل من علاماتها الدالات على صحتها وإن لم تبوأ هنا وبوئت فيما دونها فأدبك بدقيق النظر في تلك الطاعة هل هي هي وأنت سالم من المطالبة فيها ، أم هي بعكس ذلك وأنت مأخوذ بها ؟ نعوذ باللّه من حسنات تعود سيئات وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزّمر : 47 ] فإذا نزلت عن هذه الدرجة إلى غيرها فأدبك طلب النجاة منها بحسنها وسيئها ، وليكن هروبك من حسناتك أكثر من هروبك من سيئاتك إن أردت أن تكون من الصالحين . وقال رحمه اللّه : إذا أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء اللّه تعالى ، فعليك برفض الناس جملة واحدة إلا من يدلك على اللّه بإشارة صادقة وأعمال ثابتة لا ينقضها كتاب ولا سنة ، وأعرض عن الدنيا بالكلية ، ولا تكن ممن يعرض عنها ليعطى شيئا على ذلك ، بل كن في ذلك عبد اللّه أمرك أن ترفض عدوه ، فإن كنت في هاتين الخصلتين : الإعراض عن الدنيا والزهد في الناس ، فأقم مع اللّه بالمراقبة ، والتزم التوبة بالرعاية ، واستغفر اللّه بالإنابة والخضوع للأحكام بالاستقامة . وتفسير هذه الأربعة : أن تكون عبدا للّه فيما تأتي ، وتراقب قلبك أن لا يرى في المملكة شيئا لغيره ، فإن أتيت بهذا نادتك هواتف الحق من أنوار العز أنك قد عميت عن طريق الرشد من أين لك القيام بالمراقبة ؟ وأن تسمع وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] فهناك يدركك من الحياء ما يحملك على التوبة بما ظننت أنه قربة ، فالزم التوبة بالرعاية لقلبك ، ولا تشهد ذلك منك بحال فتعود إلى ما خرجت عنه ، فإن